٢٨ أبريل ٢٠٢٦
لكل ثورة تحدياتها، والتدفق الهائل لتطورات الذكاء الاصطناعي بقدر ما يخدم الإنسانية فإنه في الغالب يهدد أثمن مواردها، ما يضطرنا للتساؤل هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينمو دون أن يستنزف الطبيعة، سؤال ردني لمقولة الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون "ينجح العلم من خلال تعذيب الطبيعة"، هل تخيل هذا الفيلسوف يوما أن تنازعنا الآلة مياهنا؟ تبرز اليوم قضية "عطش الخوارزميات" كأحد أكبر التحديات الأخلاقية والبيئية التي تواجه البشرية، حيث يتطلب تبريد السيرفرات العملاقة كميات هائلة من المياه العذبة، مما يجعل المسؤولية تجاه البيئة أولوية وضرورة وغاية.
خلف كل إجابة سريعة يقدمها لنا الذكاء الاصطناعي، هناك دورة تبريد معقدة تستهلك المياه العذبة لمنع احتراق المعالجات (GPUs). وبحسب الدراسات الحديثة، فإن حجم الاستهلاك يفوق التوقعات:
GPT-3 والتبريد: كشفت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا ريفرسايد أن تدريب نموذج GPT-3 استهلك حوالي 700,000 لتر من المياه العذبة.
المحادثة الواحدة: تُقدر الدراسة أن كل محادثة بسيطة (من 20 إلى 50 سؤالاً) تستهلك ما يعادل نصف لتر من المياه.
الاستهلاك السنوي لشركات التقنية: في تقارير الاستدامة لعام 2024، اعترفت جوجل بزيادة استهلاكها المائي بنسبة 17% ليصل إلى 6.1 مليار جالون، بينما سجلت مايكروسوفت زيادة بنسبة 34% في استهلاك المياه بالتزامن مع توسعها في تقنيات OpenAI.
عندما نقول إن البيئة "ضرورة"، فنحن نتحدث عن الصدام المباشر بين التكنولوجيا والحياة اليومية. مراكز البيانات تُبنى غالباً في مناطق تعاني من "إجهاد مائي".
المنافسة على الموارد: في مناطق مثل أريزونا وفيرجينيا، تتنافس مراكز البيانات مع قطاع الزراعة ومياه الشرب للسكان.
التلوث الحراري: المياه المستخدمة في التبريد غالباً ما تُعاد إلى الطبيعة بدرجات حرارة مرتفعة، مما يخل بالتوازن البيئي للأنهار والحياة البحرية.
لكي تكون التقنية مسراجا ينير الدرب ولا يحرق الأرض، يجب أن تتحول المسؤولية البيئية من مجرد شعارات إلى حلول تقنية مبتكرة وهذا ما تتبناه مؤخرا الشركات الكبرى حفاظا على صورتها العامة ومسؤوليتها المجتمعية حيث بدأت بالفعل في استكشاف وتطبيق حلول تقنية واعدة:
التبريد بالهواء والبيئات الباردة: نقل مراكز البيانات إلى القطب الشمالي أو أعماق البحار للاستفادة من البرودة الطبيعية.
التبريد الغمري (Immersion Cooling): استخدام سوائل كيميائية غير موصلة للكهرباء بدلاً من المياه، وهي تقنية أكثر كفاءة بنسبة 90% في خفض الحرارة.
المياه المستصلحة: التزام الشركات باستخدام مياه الصرف المعالجة أو مياه البحر بدلاً من المياه العذبة الصالحة للشرب.
دراسة جامعة كاليفورنيا ريفرسايد (2023): بعنوان "Making AI Less Thirsty".
تقرير جوجل للاستدامة (2024): Google Environmental Report.
تقرير مايكروسوفت السنوي (2024): Microsoft Environmental Sustainability Report.
دراسة الباحث أليكس دي فريس (2024): المنشورة في مجلة Cell Reports Physical Science حول التوقعات المائية للذكاء الاصطناعي بحلول 2027.
إن رؤية مسراج تؤكد أن التقنية لا يمكن أن تنفصل عن أصلها الطبيعي. فإذا كانت التقنية هي "القلب"، فإن البيئة هي "الجسد" الذي يحمل هذا القلب. الاستمرار في تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يسير يدا بيد مع استعادة توازن الكوكب، لتكون التكنولوجيا خادمة للطبيعة، لا سيدا مستنزفا لها.
ابق على اطلاع على أحدث الأفكار والتقنيات من خلال زيارة مدونتنا