كل المقالات
المدونة

اختيار حالة الاستخدام الأولى: أين يبدأ الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة؟

اختيار حالة الاستخدام الأولى: أين يبدأ الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة؟

في يوليو 2025، نشر مختبر MIT للإعلام عبر مبادرة NANDA تقريره "الانقسام الكبير في الذكاء الاصطناعي التوليدي" (The GenAI Divide: State of AI in Business 2025)، وخرج برقم يستحق التوقف عنده: من أصل 30 إلى 40 مليار دولار ضختها المؤسسات في مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، فإن 95% من هذه المشاريع التجريبية لم تُترجَم إلى نتائج مالية تذكر على قوائم الأرباح والخسائر.  لكن الأخطر من الرقم نفسه هو تفسيره: التقرير، المبني على أكثر من 300 حالة تنفيذ فعلية ومئات المقابلات مع القيادات التنفيذية، يجزم بأن الانقسام "لا يبدو مدفوعًا بجودة النماذج أو القيود التنظيمية، لكنه حدد  بالمنهجية".

إن معظم النقاشات الداخلية في المؤسسات تبدأ من السؤال الخطأ: "أي نموذج نستخدم؟" أو "أي منصة نتعاقد معها؟". لكن هذا السؤال يأتي متأخرا جدا في الترتيب الصحيح. كشفت بيانات MIT أن الشركات الناجحة - تلك التي تستخرج قيمة حقيقية وسريعة من الذكاء الاصطناعي التوليدي - تشترك في نمط واحد: تختار نقطة ألم واحدة محددة، وتنفذها بعمق، وتبني شراكات ذكية حول أدوات تتكامل فعليًا مع سير العمل، بدل أدوات عامة "مبهرة في العرض التجريبي، هشّة داخل بيئة العمل الفعلية" كما وصفها التقرير.

هذا ما يفسر أيضا توقع Gartner بأن أكثر من 40% من مشاريع الذكاء الاصطناعي الوكيلي ستُلغى بحلول نهاية 2027، وذلك  بسبب "تجارب مبكرة مدفوعة بالحماس، تُطبَّق غالبا في غير موضعها" وهذا على حد تعبير آنوشري فيرما، المديرة التنفيذية للأبحاث في Gartner. النموذج التقني قابل للتغيير لاحقًا؛ أما حالة الاستخدام الخاطئة، فتكلفتها ثقة داخلية مفقودة يصعب استعادتها في الجولة التالية.

إننا حين نقول قيادة تنفيذية "نريد استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء" أو "نريد أتمتة الأعمال"، فهي تصف طموحا مشروعا، لكنه أبعد أن يكون  حالة استخدام.  إن حالة الاستخدام القابلة للتنفيذ تجيب على أسئلة محددة: من هو المستخدم النهائي؟ ما المهمة الدقيقة التي تُنجَز؟ ما مصدر البيانات التي يعتمد عليها النظام؟ وما تعريف "النجاح" رقميا؟

إن "أتمتة خدمة العملاء" على سبيل المثال قد تعني عشرات المشاريع المختلفة: تصنيف التذاكر الواردة، صياغة الردود الأولى، تلخيص المكالمات، أو توجيه الاستفسارات المعقدة إلى الفريق المختص. كل واحدة من هذه المهام لها بيانات مختلفة، ومخاطر مختلفة، ومقاييس نجاح مختلفة. من يبدأ من العنوان الكبير دون تفكيكه، يبدأ فعليا من الفراغ، وهذا بالضبط ما يفسر جزءا كبيرا من نسبة الـ95% في تقرير MIT: مؤسسات أطلقت مبادرات عريضة العنوان، ضيقة التنفيذ، فلم تجد أحدا يملك تعريفا مشتركا لما يعنيه "النجاح".

ستة معايير تفصل البداية الناجحة عن التجربة المهجورة

قبل الالتزام بأي حالة استخدام أولى، ينبغي أن تجتاز اختبارا من ستة معايير مترابطة:

أثر واضح على العمل. يجب أن يكون بالإمكان تفسير القيمة المتوقعة لمالك الميزانية في جملة واحدة، مربوطة برقم أو مؤشر أداء قائم فعلا.

بيانات متاحة وموثوقة. الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يصنع بيانات من العدم؛ فجودة أي نموذج محكومة بجودة ما يُغذّى به. حالة استخدام تتطلب بيانات غير موجودة أو مبعثرة عبر أنظمة معزولة، تتحول تلقائيا إلى مشروع بنية تحتية.

نطاق محدود. المشاريع التي تحاول حل مشكلة كاملة دفعة واحدة نادرا ما تصل إلى الإنتاج. النطاق الضيق يعني حدا واضحا بين ما يفعله النظام وما لا يفعله.

مخاطر يمكن التحكم بها. حالة الاستخدام الأولى ليست الموضع المناسب لاختبار قرارات عالية الحساسية (مالية، قانونية، أو تتعلق بسلامة الأفراد) دون رقابة بشرية كافية. المخاطر المرتفعة تُدار بعد بناء الثقة، لا في نقطة الانطلاق.

قابلية للقياس. إن لم يكن بالإمكان تحديد مقياس كمّي واضح قبل الإطلاق - زمن إنجاز، نسبة دقة، عدد ساعات موفَّرة - فلا سبيل لمعرفة ما إذا كان المشروع قد نجح أصلا.

دعم من مالك العملية. أي مبادرة تُفرض من قسم التقنية على قسم تشغيلي دون شريك حقيقي داخل ذلك القسم، تفقد زخمها فور انتهاء الحماس الأولي. مالك العملية هو من يضمن استمرارية المشروع بعد خروجه من مرحلة التجربة.

أين يبدأ الذكاء الاصطناعي فعليا داخل المؤسسة؟

حين تُطبَّق هذه المعايير الستة، تبرز فئة محددة من حالات الاستخدام كنقاط انطلاق طبيعية، لأنها تجمع بين وضوح المهمة وتوافر البيانات وانخفاض المخاطر:

  • تلخيص الوثائق الداخلية تقارير، عقود، محاضر اجتماعات حيث المدخلات موجودة أصلا والمخرجات يسهل تقييمها مقارنة بالنص الأصلي.
  • مساعد للموارد البشرية يجيب عن استفسارات السياسات الداخلية المتكررة، ويُخفّف العبء عن فريق صغير غالبا ما يُستهلك في أسئلة روتينية.
  • مساعد أولي لخدمة العملاء يتعامل مع الاستفسارات النمطية عالية التكرار، مع تصعيد واضح للحالات المعقدة إلى موظف بشري.
  • استخراج البيانات من المستندات فواتير، نماذج، مستندات ممسوحة ضوئيا وتحويلها إلى بيانات منظمة قابلة للمعالجة، وهي من أكثر حالات الاستخدام قابلية للقياس لأن الدقة تُحسب مباشرة مقارنة بالمستند الأصلي.
  • البحث داخل المعرفة المؤسسية، بحيث يجد الموظف الإجابة من آلاف الوثائق الداخلية خلال ثوانٍ بدل البحث اليدوي المتناثر.
  • أتمتة إجراء داخلي متكرر ومحدد النطاق، كخطوة تصنيف أو توجيه ضمن مسار عمل أوسع، لا المسار بأكمله.

هذه الحالات ليست الأكثر إبهارا في العروض التقديمية، لكنها الأكثر قابلية للفوز خلال أسابيع لا أشهر  وهو ما يبني رأس مال الثقة الداخلية اللازم لموجة التوسع التالية.

في المقابل، حالات مثل "منصة ذكاء اصطناعي شاملة لإدارة العملاء" أو "أتمتة القرارات الائتمانية بالكامل" تستحق التأجيل، لأن اتساع نطاقها وارتفاع مخاطرها يجعلانها اختبارا قاسيا لمؤسسة لم تُثبت بعد قدرتها التشغيلية على إدارة الذكاء الاصطناعي في بيئة الإنتاج.

من زاوية عملية، هذا بالضبط المنطق الذي وصلنا إليه في مسراج تك، حين بنينا مشروعنا المتكامل "مسراج AI"  المظلة التي تضم اليوم منظومة حلولنا في الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وتقع ضمن مسراج تك. حيث بدأنا من حالات استخدام ضيقة ومحددة النطاق اختبرناها واحدة تلو الأخرى قبل أن نبني حولها منتجا كاملا: بنينا Baseer OCR حول حالة استخدام استخراج البيانات من المستندات تحديدًا، وSeamless Enterprise حول البحث داخل المعرفة المؤسسية للجهات الحكومية، وNovaStar حول أتمتة الإجراءات المتكررة ضمن أنظمة قائمة فعلا لدى المؤسسات وWorkforces حول مساعدات الموارد البشرية وخدمة العملاء الداخلية. كل منتج في هذه المنظومة وُلد من نقطة ألم واحدة محددة قبل أن يتوسع نطاقه، وهذا ما نعتبره العامل المميز  بين أداة عامة تُطرح على المؤسسة من الخارج، وحل يُبنى من داخل مشكلتها.

لمعرفة المزيد عن منظومتنا وحلولنا التقنية في هذا المجال، فريقنا جاهز لجلسة استشارية تبدأ من البداية لمعرفة الاحتياج