١٦ يوليو ٢٠٢٦
في أغسطس 2025، نشر معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) تقريره "The GenAI Divide"، وكانت النتيجة صادمة بمقاييس أي قطاع: 95% من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي داخل المؤسسات لم تُحدث أي أثر قابل للقياس على الأرباح أو الخسائر، رغم استثمارات تراوحت بين 30 و40 مليار دولار خلال عام واحد فقط. المشكلة، كما تكشف بيانات المعهد، لم تكن في التقنية نفسها، بل في كيفية تحليل المؤسسات لمشاريعها قبل أن تحرّك فيها ريالا واحدا.
المؤسسات التي استعانت بفريق خارجي لتحليل النطاق قبل التنفيذ نجحت في نشر مشاريعها بنسبة 67%، مقابل 33% فقط للمؤسسات التي حلّلت ونفّذت داخليًا دون منهجية صارمة.
أكثر من 40% من مشاريع الوكلاء الذكيين (Agentic AI) سيتم إلغاؤها بحلول نهاية 2027 بسبب تصاعد التكاليف وغياب قيمة عمل واضحة، بحسب تقديرات Gartner.
1 من كل 5 مشاريع يفشل بشكل مباشر بسبب ضعف التواصل بين الأطراف المعنية، لا بسبب التقنية ذاتها، بحسب PMI.
المؤسسات التي تستثمر في التغيير التنظيمي والثقافي، تحقق نجاحا أعلى بـ5.3 أضعاف، بحسب ماكنزي.
النمط المتكرر الذي رصده باحثو MIT له اسم: القيادة ترى عرضا تقديميا مبهرا لأداة ذكاء اصطناعي، ثم تحاول أن "تُسقط" عليه مشكلة عمل حقيقية بأثر رجعي. ا يؤدي في النهاية إلى مشروع يحل مشكلة لم تكن هي المشكلة الفعلية التي كانت تُرهق المؤسسة أصلًا. هذا هي نقطة التمايز بين التحليل والتنفيذ، إذ التحليل يبدأ من المشكلة أولا.
إن الفرق بين 67% و33% في نسب النجاح لم يكن ناتجا عن "سحر تقني" يملكه المستشار الخارجي، وإنما عن انضباط في طرح الأسئلة الصعبة مبكرا: ما التدفق التشغيلي الدقيق الذي سيتغير؟ ما خط الأساس القابل للقياس قبل أي تنفيذ؟ ما عتبة النجاح المتفق عليها سلفًا؟
منهجية PMI-CPMAI الحديثة، المصممة خصيصا لمشاريع الذكاء الاصطناعي، تضع "فهم العمل" (Business Understanding) و"فهم البيانات" (Data Understanding) كمرحلتين سابقتين لأي بناء تقني. و هذا التسلسل ليس بيروقراطية إضافية، بل هو ما يمنع الوقوع في الفخ الأكثر شيوعا: بناء حل تقني ممتاز لمشكلة خاطئة.
خطة المشروع المتكاملة، بهذا المنطق، تُبنى من أربع طبقات متتالية لا يمكن القفز فوق أي منها:
تحليل المشكلة قبل الحل: ما الفجوة التشغيلية الفعلية، مدعومة برقم أو مؤشر أداء واضح؟
خط الأساس القابل للقياس: ما الوضع الحالي بالأرقام قبل أي تدخل، حتى يكون "النجاح" قابلا للإثبات لاحقا لا للادعاء؟
تصميم تجربة ضيقة النطاق ومحدودة زمنيا: بدلا من مشروع شامل يمتد أشهرا، تجربة صغيرة بعتبة نجاح محددة سلفا إما أن تُوسَّع أو تُغلَق دون تردد.
حوكمة التوسّع: الانتقال من التجربة إلى الإنشا الكامل يحتاج بنية حوكمة، أكثر من الحماس التنفيذي.
المشكلة أن أغلب خطط المشاريع التي تراها فرق التقنية اليوم تبدأ مباشرة من الطبقة الثالثة - لنجرّب الأداة - متجاوزةً الطبقتين الأوليين بالكامل. وهذا بالضبط ما يفسّر لماذا يبدو المشروع "ناجحا تقنيا" في عرضه التجريبي، ثم يتبخر أثره بمجرد محاولة قياسه بمقياس أعمال حقيقي.
كل ما سبق يتضاعف تعقيدا حين يكون المشروع موجَّها لجهة حكومية، حيث تتشابك طبقات الموافقة، ومتطلبات الامتثال، وتعدد الجهات المعنية داخل المؤسسة الواحدة. هنا يصبح تحليل المشروع فعليا أهم من تنفيذه: خطة لا تُحدد مسبقا من يملك صلاحية القرار عند نقطة انحراف، أو ما متطلبات الامتثال السيبراني التي يجب أن يفي بها الحل من اليوم الأول، ستصطدم بجدار الحوكمة بعد أشهر من العمل الفني.
هذا هو بالضبط المنطق الذي نتبناه في كون خاصة في تعامله مع الجهات الحكومية: حيث نبدأ من رسم خريطة للجهات المعنية ومتطلبات الامتثال والموافقات كطبقة تحليل مستقلة قبل أي طبقة تقنية لكي تكون بنية الحوكمة جزءا من التصميم الأولي للمشروع، لا ترقيعا لاحقا يُضاف بعد اكتشاف عائق تنظيمي في منتصف الطريق. وذلك المؤسسات التي تُدرج هذا التحليل ضمن الأسبوع الأول من المشروع، وليس ضمن مرحلة "المراجعة القانونية" المتأخرة، هي التي تتجنب فعليا الانضمام إلى نسبة الـ69% التي ترصدتها ماكنزي كفشل متكرر في مبادرات القطاع العام تحديدا بسبب ضعف تحليل أصحاب المصلحة مبكرا.
البُعد الثاني الذي تكشفه بيانات Gartner عن مشاريع الوكلاء الذكيين (Agentic AI) حيث سيُلغى أكثر من 40% منها بحلول 2027 مرتبط مباشرة بغياب "التصميم الضيق": مؤسسات تطلق وكيلا ذكيا يغطي سير عمل كامل ومعقّد من اليوم الأول، بدل أن تبدأ بمهمة واحدة ضيقة، محددة النطاق، وقابلة للقياس خلال أسابيع لا أشهر.
هذا هو بالتحديد المنطق الذي تُبنى عليه خطط تبنّي Workforces: فبدلا من طرح "أتمتة القسم بالكامل" كهدف أولي، تُصمَّم خطة المشروع حول أضيق مهمة تشغيلية ممكنة مهمة واحدة، بخط أساس رقمي واضح، وعتبة نجاح محددة سلفا (مثلًا: خفض زمن معالجة طلب معيّن بنسبة محددة خلال فترة زمنية محددة). إن تحقق الهدف، يُوسَّع نطاق الوكيل تدريجيا إلى مهام مجاورة؛ وإن لم يتحقق، تُغلَق التجربة دون تردد قبل أن تتحول إلى التزام مؤسسي مكلف. هذا النمط بالذات هو ما ميّز، بحسب تحليل MIT، المشاريع التي بقيت ضمن الـ5% الناجحة عن بقية السوق وليس حجم الاستثمار، بقدر انضباط النطاق.
تكرّر أبحاث ماكنزي نتيجة لافتة: المؤسسات التي تستثمر في التغيير التنظيمي والثقافي، وليس مجرد التغيير في التقنية وحدها، تحقق نسب نجاح أعلى بـ5.3 أضعاف من تلك التي تركّز على الأداة فقط. هذا يعني أن خطة المشروع المتكاملة ليست وثيقة تقنية بحتة، بل خطة تُدمج فيها ثلاثة أبعاد متوازية:
البُعد التشغيلي: ما الذي سيتغير فعليا في سير العمل اليومي؟
البُعد البشري: من سيقاوم التغيير، ومن سيحتاج تأهيلا، وكيف يُقاس تبنّي الفريق للأداة الجديدة لا مجرد استخدامها؟
البُعد الحوكمي: من يملك صلاحية القرار عند الانحراف عن الخطة، وما آلية المراجعة الدورية للمشروع بعد الإطلاق؟
خطة تُهمل أيًا من هذه الأبعاد الثلاثة، حتى لو كانت طبقتها التقنية ممتازة، تنضم غالبا إلى نسبة الفشل، وذلك كله مرده إلى الخطة التي لم تكن متتكاملة منذ اليوم الأول.
قبل أي اجتماع "اختيار أداة": اعقد اجتماع "تعريف المشكلة" منفصلا تماما، ولا تسمح بذكر اسم أي منتج فيه.
اطلب خط أساس رقمي مكتوب قبل الموافقة على أي ميزانية مشروع إن لم يكن هناك رقم "قبل"، فلن يكون هناك رقم "بعد" قابل للتصديق.
صمّم كل مبادرة كتجربة قابلة للإغلاق، لا كالتزام دائم حدّد عتبة النجاح والفشل كتابيا قبل الانطلاق.
ارسم خريطة أصحاب المصلحة والموافقات كخطوة تحليل مستقلة، خاصة في البيئات المؤسسية والحكومية المعقّدة، قبل تخصيص أي موارد فنية.
اطرح على فريقك سؤالا واحدا في كل مراجعة: هل ما زلنا نحل المشكلة الأصلية، أم انزلقنا نحو حل بديل بدا مغريا في الطريق؟
افصل تقييم نجاح المشروع عن تقييم نجاح الأداة: أداة ممتازة داخل خطة رديئة تنتج مشروعا فاشلا، والعكس نادرا ما يحدث.
ابق على اطلاع على أحدث الأفكار والتقنيات من خلال زيارة مدونتنا